صديق الحسيني القنوجي البخاري
59
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص ، واحتمال البلايا في طاعة اللّه : بزيادة أَجْرَهُمْ في مقابلة صبرهم وما كابدوه من العسر بِغَيْرِ حِسابٍ أي بما لا يقدر على حصره حاصر ولا يستطيع حسبانه حاسب وإن كان معلوما محصيا عند اللّه . قال عطاء : بما لا يهتدي إليه عقل ولا وصف . وقال مقاتل أجرهم الجنة وأرزاقهم فيها بغير حساب . وقيل قوله : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ ترغيب في التقوى المأمور بها . وإيثار الصابرين على المتقين للإيذان بأنهم حائزون لفضيلة الصبر ، كحيازتهم لفضيلة الإحسان لما أشير إليه من استلزام التقوى لهما مع ما فيه من زيادة حث على المصابرة والمجاهدة في تحمل مشاق الهجرة . والحاصل أن الآية تدل على أن ثواب الصابرين وأجرهم لا نهاية له لأن كل شيء يدخل تحت الحساب فهو متناه ، وما كان لا يدخل تحت الحساب فهو غير متناه ، وهذه فضيلة عظيمة ، ومثوبة جليلة ، تقتضي من كل راغب في ثواب اللّه ، وطامع فيما عنده من الخير أن يتوفر على الصبر ويزم نفسه بزمامه ، ويقيدها بقيده ، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل ، ولا يجلب خيرا قد سلب ، ولا يدفع مكروها قد وقع ، وإذا تصور العاقل هذا حق تصور ، وتعقله حق تعقله ، علم أن الصابر على ما نزل به قد فاز بهذا الأجر العظيم ، وظفر بهذا الخير الخطير ، وغير الصابر قد نزل به القضاء شاء أم أبى . ومع ذلك فاته من الأجر ما لا يقادر قدره ، ولا يبلغ مداه ، فضم إلى مصيبته مصيبة أخرى ولم يظفر بغير الجزع ، وما أحسن قول من قال : أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب * فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب هناك يحق الصبر والصبر واجب * وما كان منه للضرورة أوجب قال علي بن أبي طالب : كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا الصابرين ، فإنه يحثى لهم حثيا ، وروي أنه يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا لو أن أجسادهم تقرض بالمقاريض ، لما يذهب به أهل البلاء من الفضل ، ثم أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخبرهم أولا بما أمر به من التوحيد والإخلاص فقال : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أي أعبده عبادة خالصة من الشرك والرياء وغير ذلك ، قال مقاتل : « إن كفار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يحملك على الذي أتيتنا به ؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك ؟ وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فتأخذ بها » ، فأنزل اللّه الآية ، وقد تقدم بيان معنى الآية في أول هذه السورة ، ثم أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخبرهم ثانيا بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم فقال :